روايات

حكايات زهره الربيع

الراجل اللي فوق صرخ بخوف: “إيه ده؟! مين هناك؟! اخرج يا ولد!”.

صوت خطواتهم جريت بسرعة برة الزريبة باتجاه الصوت اللي عمله عمي يونس، وبدأ ضرب نار عشوائي برة في الحوش: “طاخ.. طاخ.. طاخ!”. الطلقات كانت بتخرم سقف الزريبة والبهائم هاجت وبقت تكسر في الخشب وتصدر أصوات مرعبة غطت على صوتنا.

مقالات ذات صلة

عمي يونس ابتسم وطلع من جيبه القفل الحديد القديم المكسور، وحطه في إيدي التانية وقفل صوابعي عليه وقال: “القفل ده هيفضل معاك يا أحمد.. عشان تفتكر دايماً إن مفيش سجن بيفضل مقفول للأبد طول ما فيه إيد نظيفة بتدور على الحق.. أنا ويوسف رايحين نخلص الحساب في البندر.. والصبح لما الشمس تطلع.. عزبة الجميزة هتعرف مين هما الشناوية الحقيقيين”.

القطر بدأ يهدّي وصوت الفرامل الحديدية عمل صريخ عالي في المحطة.. الباب الخشبي للعربية الأخيرة انفتح وظهر منه راجل لوّح لنا بيده..

عمي يوسف زقنا بسرعة وأمي طلعت الأول وأنا وراها، والراجل سحبني لجوه العربية الضلمة اللي كانت مليانة شوايل خيش وريحة قش ونشارة خشب.

لفيت ضهري وبصيت من الباب الموارب قبل ما يقفل.. شفت عمي يونس وعمي يوسف واقفين على الرصيف في الضباب، جلابية يونس البيضا كانت بتلمع في نور كشاف القطر..

لكن قبل ما الباب يقفل تماماً والقطر يتحرك بالسرعة الكاملة.. شفت من بعيد.. على أول الرصيف الطيني.. تلات رجالة لثامهم أسود وراكبين خيل.. وبنادقهم موجهة بالظبط على ضهر عمي يونس وعمي يوسف! وصوت صرخة عالية هزت المحطة.. بس الصرخة دي مكنتش من عمي.. دي كانت صرخة…

الصرخة دي مكنتش من عمي يونس، ولا من عمي يوسف.. الصرخة دي كانت صرخة أمي اللي شافت الخيل والبنادق من خرم باب العربية! كتمت بقها بيدها ووقعت على أرضية العربية وسط شوايل الخيش وهي بتبكي بنشيج مرعب، وأنا عيني كانت معلقة بآخر مشهد والقطر بيتحرك بسرعة ويسحبنا في قلب الضلمة.

صوت “طاخ.. طاخ.. طاخ!” شق سكون المحطة، رصاص ضرب النار اتداخل مع صوت صفارة القطر العالية اللي كانت بتدوي كأنها بتصرخ معا الغلابة.

لمحت عمي يوسف بيرمي نفسه في الطين ويسحب عمي يونس وراه ورا ركام الرصيف المهدود، والخيل كانت بتهجم في الضباب زي الشياطين. والباب الخشبي بتاع عربية البضاعة اتقفل فجأة وبقوة بوشنا، والراجل اللي تبعهم قفل المزلاج الحديدي من جوه، وحط إيده على بوقي وهو بيهمس برعب: “اششش.. حسك عينك تنطق يا ولد! القطر مش هيقف غير في البندر الكبير، وكل اللي نقدر نعمله دلوقتي إننا نوصل باللي معاك ده لبر الأمان.. عمامك رجالة صعايدة وواعين ومحدش يقدر عليهم في الضلمة”.

القطر كان بيهتز بينا بسرعة جنونية، وجوايا نار قايدة. ماسك في إيد الصندوق الخشب والسلسلة الذهب اللي حواليه بتخبط في صوابعي، وفي الإيد التانية كابس على القفل المكسور اللي عمي يونس ادهولي.. القفل اللي ريحته كانت لسه طين من أرض الزريبة ومن شجرة الجميزة.

أمي قعدت في زاوية العربية، ضامة رجليها لصدرها وبتترعش وبتدعي: “يا رب سلم.. يا رب يونس ويوسف يعيشوا.. يا رب احمي الواد الصغير والسر اللي شايله”.

طول السكة اللي دامت ساعات في عتمة الليل، مكنتش بفكر غير في حاجة واحدة: إيه السِند التاني اللي عمي يوسف قاله؟ وإيه اللي جوه الصندوق ده ويخلي البلد كلها تقلب فوق تحت؟

القطر بدأ يهدّي سرعتة، وصوت العجل الحديدي وهو بيحتك بالقضبان كان بيعمل صرير عالي، والضوء بدأ يدخل من شقوق الخشب.. كنا وصلنا لـ “بندر طنطا”. الدنيا كانت لسه فجر، والمطر هنا مكنش شغال زي عزبة الجميزة، بس الجو كان ساقع والضباب مغطي المحطة الكبيرة.

الراجل فتح الباب الخشبي بالراحة، وبص يمين وشمال، وبعدين شاور لنا: “انزلوا من الرصيف الخلفي.. اخرجوا من ورا مخازن البضاعة.. واجروا على بيت خالكم علطول.. العيون هتبقى مفتحة في المحطة الرئيسية”.

نزلت أنا وأمي، رجلينا كانت متبهدلة طين من الغيط، وجلابيتي كانت متوسخة بس الصندوق مكنش باين منها. مشينا بسرعة في وسط الشوارع الضيقة بتاعة طنطا لحد ما وصلنا لبيت خالي “مصطفى” اللي كان شغال في مطبعة قديمة هناك.

أول ما خالي فتح الباب وشاف منظرنا.. شهق من الصدمة: “أمينة؟! وأحمد؟! إيه اللي جابكم في وقت زي ده ومنظركم عامل كدة ليه؟ هو فيه مصيبة في العزبة؟”.

أمي مقدرتش تنطق، وقعت في الصالة من التعب والهم. خالي قفل الباب بسرعة ودخلنا الأوضة الجوانية. قعدت على السرير وطلعت الصندوق الخشب من تحت جلابيتي وحطيته قدامه.

خالي مصطفى أول ما شاف الصندوق، وعينه جت على السلسلة الذهب والأختام اللي عليه، وشه اتقلب ألوان، وقرب منه وهو بيدعك عينيه مش مصدق: “ده.. ده صندوق الست الكبيرة “فضة”؟ الصندوق ده بقاله عشرين سنة مقطوع أثره من بعد ما ماتت! أبوك عبد العزيز وجدك رضوان قلبوا عليه الدنيا وملاقهوش.. جبتوه منين؟”.

قولتله وأنا بنهج: “عمي يونس وعمي يوسف هما اللي طلعوه من تحت شجرة الجميزة يا خال.. وعمي يوسف قالي إن الصندوق ده فيه نص الحقيقة اللي هتقلب البلد.. افتحه يا خال وشوف فيه إيه، إحنا هربانين من الموت”.

تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى