روايات

حكايات زهره الربيع

خالي مصطفى جاب مفك حديد قديم من دكانه الصغير اللي في البيت، وبدأ بالراحة يفك السلسلة الذهب والأختام الشمعية القديمة وهو يديه بترتعش. الغطا الخشب بتاع الصندوق أطلق تزييق حاد وانفتح..

جوه الصندوق مكنش فيه دهب كتير زي ما كنا فاكرين.. كان فيه حتت ذهب صغيرة قديمة (غازيات)، وبندقية ميت مية (طبنجة) قديمة مصدية، وتحتهم.. لفة ورق بردي قديم جداً، ومعاها عقد بيع مكتوب بدم جاف!

مقالات ذات صلة

خالي مصطفى سحب العقد بالراحة وقعد يقرأ السطور المكتوبة بخط يد قديم، وعينيه كانت بتوسع مع كل كلمة، لحد ما الورقة وقعت من إيده وبص لأمي وبصلي وهو مذهول تماماً:

“يا نهار مش فايت.. يا خراب البيوت.. يونس ويوسف مكنوش بيدوروا على أرض الوقف يا أمينة.. الورق ده بيثبت إن عزبة الجميزة كلها.. بالبيوت اللي فيها، بالغيطان، بدكان جدهم، ببيت عيلة الشناوي نفسه.. مش ملكهم ولا ملك عرب الجبل! الأرض دي ملك ناس من أشراف مصر القديمة، والجد الكبير رضوان كان مجرد ناظر عليها، وقتل الأوصياء الحقيقيين من ميت سنة ودفنهم تحت شجرة الجميزة.. والنسخة الأصلية من العقد ده.. مكتوب فيها إن اللي هيكشف السِر ويسلم الورق ده للحكومة.. هياخد تلت الأرض مكافأة.. والتلتين الباقيين هيروحوا لملجأ الأيتام في مصر!”.

وفي اللحظة دي، وأحنا لسه بنستوعب الصدمة اللي هتهد عيلة الشناوي وتشردهم كلهم، سمعنا صوت خبط عنيف برة على باب البيت.. خبط بالبناجق وصوت غليظ وجش بينده من الشارع: “يا مصطفى يا مطبعجي! خرج أختك وابن عبد العزيز بالصندوق اللي معاهم.. بدل ما نقلب طنطا دي برك دم فوق راسكم!”.

البوليس السري تراجع بخوف لورا، وأمي صرخت وشبكت إيدها في كتفي، وخالي مصطفى ظهر عند باب الأوضة وهو بيعرج ودمه سايل من كتفه بس عايش.. كله ثبت وكله عجز في لحظة الرعب دي.. إلا عمي يونس.

عمي يونس اللي عاش تلات سنين تحت شجرة الجميزة يتعلم الصبر من السلاسل، محركش شبر واحد برة مكانه. وبنفس الهدوء والبرود اللي حير العزبة كلها، مد إيده في جيبه وطلع القفل الحديد القديم الكبير اللي أنا كسرته بقالب الطوب.. القفل اللي كان حاميه ومخبيه ورا حيطة الجنون.

وبحركة سريعة ومحترفة زي جراح بيشيل الغرغرينا، هجم عمي يونس على الشوال، وشق الخيش بماسورة البندقية، وظهرت القنبلة الحديدية القديمة اللي كانت مربوطة بأسلاك وميكانزم ساعة يد. وبدل ما يحاول يفك الأسلاك، عمي يونس حشر القفل الحديد المكسور بكل قوته في تروس الساعة الموقوتة وضغط عليه بكتلة إيده الناشفة اللي شبعت طين..

التروس اتعوجت، والحديد عض في الحديد، وصوت التكتكة وقف فجأة عند الثانية الأخيرة!

النفس رجع للأوضة، وعساكر البندر هجموا في ثانية على الراجل اللثام وكتفوه وسحلوه لبرة مع باقي رجالة العرب اللي كانوا في الشارع متكلبشين، بعد ما عمي يوسف والبوليس عملوا عليهم كمين محكم من أول ما دخلوا طنطا.

عمي يوسف دخل الأوضة، وشه كان مليان عرق وطين، بس عينيه كانت بتلمع بالنصر. قرب من خالي مصطفى وطمنه، وبعدين التفت ليا ومسك كيس القماش اللي مربوط حول وسطي وفيه العقد القديم والورق المكتوب بالدم.

أخد الورق، وبص لعمي يونس وقال بصوت هادي وجميل: “النهار ده يا يونس.. العقد ده هيوصل ليد وكيل النيابة في مصر الكبيرة.. والصبح لما الشمس تطلع، الأرض هترجع لأصحابها الحقيقيين.. للغلابة والملاجئ، والشناوية هيتغسل اسمهم من الدم والظلم اللي عاشوا فيه من ميت سنة”.

عمي يونس قرب مني، وطى على ركبه لحد ما بقى في مستوى عيني، ومسح دموعي بطرف جلابيته البيضا اللي اتلوثت بطين المعركة، وأخد القفل الحديد اللي وقف القنبلة وحطه في إيدي الصغيره وقفل صوابعي عليه تاني وقال: “عارف يا أحمد.. جدي وأبوك افتكروا إن القوة في السلسلة والقفل اللي ربطوني بيهم.. وافتكروا إنهم لما يظلموا وياكلوا حق الناس، بيعملوا عِز لعيلتهم.. بس هما حبسوا نفسهم في سجن الغل والشر لحد ما السجن اتهد فوق رأسهم والنهار ده اتقبض عليهم وهيقضوا بقية عمرهم ورا الشمس”.

بصيت لعمام الاثنين، يونس ويوسف، اللي وقفوا زي النخل في وسط الأوضة، وحسيت إن عزبة الجميزة الليلة دي هتنور لأول مرة من سنين، ومبقاش فيه خوف.

### الحكمة من حكايات عيلة الشناوي

> **”إن الظلم حبل قصير، ولو طال الزمان.. والجرائم الكبيرة مبتعشيش تحت الأرض للأبد، الأرض دايماً بتطرد الدم والورق المزور عشان تظهر الحق.”**

>

الحكمة اللي خرجت بيها من السنة اللي تميت فيها 12 سنة، وعشتها مع عمي يونس وعمي يوسف، إن:

* **العقل مش بالشهادات ولا بالمظاهر:** عمي يونس عاش وسط البهائم ومربوط بسلسلة، بس كان أحكم وأوعى من عيلة بحالها، لأنه كان شايل الحق في قلبه وصابر لحد ما تيجي اللحظة المناسبة.

* **اللقمة النظيفة بتصون العِرض:** اللقمة النظيفة والرحمة اللي قدمتها لعمي وأنا عيل صغير، كانت هي البذرة اللي أثمرت نجاة لعيلتنا كلها.. لأن صنائع المعروف تقي مصارع السوء.

* **المال الحرام والبلطجة سجن صاحبه:** اللي بيظلم وبيسلب حقوق الناس (زي الجد رضوان وأبويا عبد العزيز وعرب الجبل) بيفضل طول عمره مرعوب وخايف، وبيصنع سِجنه بيده، وفي الآخر بيقع في شر أعماله وتتمحي هيبته في الطين.

وانتهت قصة عيلة الشناوي.. وبقيت أنا وأمي وعمامي عايشين في نور الحق، والقفل المكسور فضل معايا طول عمري.. يفكرني إن العدل دايماً بينتصر في النهاية.

7 من 7التالي
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى