
العساكر شدوا أبويا وجدي وخرجوهم وسط ذهول العزبة كلها اللي كانت واقفة برة في المطر، بيتفرجوا على كبار عيلة الشناوي وهم خارجين متكتفين والمطر بيغسل هيبتهم في الطين.
المربوعة فضيت، ومبقاش فيها غير عمي يونس، وعمي يوسف، وأنا وأمي.
-
قصة جديدةمنذ أسبوعين
-
حماتيمنذ أسبوعين
-
في عز العيد اهلي رفضوا يدفعوامنذ أسبوعين
-
اختنا التالتهمنذ أسبوعين
عمي يونس قعد على الأرض، وبص للقفل القديم والسلسلة اللي كانوا مرميين في الزاوية، وتنفس لأول مرة براحة كأن جبل انزاح من على صدره. بس عمي يوسف مخبّاش الفرحة كتير، وشه رجع يقلب جد، وبص لأخوه يونس وقال بنبرة واطية ومرعبة:
“الحق رجع يا يونس.. وأبوك وأخوك هيتعدموا أو يموتوا في السجن.. بس إنت فاكر إن الوقف كدة خلص؟ الورق اللي مع المأمور ده فيه سِند تاني.. سِند بيقول إن الأرض دي وراها بحر دم من ميت سنة، وأصحاب الأرض الحقيقيين مش الأفندية بتوع البندر.. أصحابها جايين ورايا في الطريق.. ومعاهم سلا..ح!”.
تابعو صفحه رومانى مكرم
الكلمة نزلت على ودن عمي يونس زي الصاعقة، الهدوء اللي كان مالي وشه اختفى في ثانية، وقام وقف على رجليه وهو بيبص لأخوه يوسف وعينيه بتلف في الأوضة برعب جديد: “أصحاب الأرض مين يا يوسف؟ الأرض دي أرض الوقف وخالتي الله يرحمها كانت الواصية عليها.. مين اللي جايين بسلا..ح؟”.
عمي يوسف قفل ضلفة الشباك الخشب بسرعة وبقى يبص من الخروم وعينيه متوترة، المطر برة كان صوته بيعلى وضباب الليل مالي الغيط. التفت ليونس وقال بصوت واطي ومكتوم: “أبوك رضوان مكنش شغال لوحده يا يونس.. السندات القديمة اللي في الدفتر بتثبت إن خالتي باعت الأرض دي بعقد ابتدائي لعرب الجبل من عشرين سنة وقبضت تمنها، وأبوك لما عرف، قتل خالتي بالسِم وزور عقود تانية باسمه وباع الأرض دي تاني لأفندية البندر! عرب الجبل معاهم العقد الأصلي.. وعارفين إن الحاج رضوان اتقبض عليه، وجايين ياخدوا أرضهم بوضع اليد قبل ما الحكومة تحط إيدها عليها.. وإحنا اللي في وش المدفع!”.
أمي صرخت وكتمت بوقها، وشدتني لحضنها وهي بترتعش: “يا خراب بيتك يا أمينة.. الرجالة اتقبض عليهم وهنموت إحنا والعيال هنا!”.
في نفس اللحظة، سمعنا برة البيت صوت كلاب العزبة بتهوهو بنباح هيستيري ومتقطع، وراه صوت حوافر خيل بتجري في الطين وبتقرب من البوابة الكبيرة.
الأنفاس انقطعت تمامًا جوة السرداب. أمي كتمت صرختها بيدها وهي بتترعش وجسمها كله بيتحرك زي الورقة في مهب الريح، وأنا لزقت في ضهر عمي يونس وبقيت أسمع دقات قلبي عالية لدرجة إني خفت الراجل اللي واقف فوق برأس البندقية يسمعها.
نور اللمبة الجاز الصغيرة كان بيتهز ويرعش على وشوشنا، وعمي يوسف ممدد إيده بالصندوق الخشب الصغير اللي فيه السلسلة الذهب، وعينيه مثبتة على الدفتين الخشب اللي فوق راسنا. الخشب القديم كان بينزل منه فرافيت تراب وطين ناشف مع كل دبة رجل للراجل اللي برة.
صوت الخشخشة زاد، والراجل اللي برة نده بأعلى صوته: “يا مبروك! تعال جاي يا ولد.. هات الكشاف والشومة واقترب، المزود هنا تحته خشب مواري وطين لسه طري، الظاهر فئران الشناوية مستخبية في جحر تحت الأرض!”.
عمي يونس بلمحة سريعة طفى اللمبة الجاز. الضلمة كبست علينا زي الكفن، وبقينا مش شايفين صوابع إيدينا. في العتمة دي، حسيت بإيد عمي يوسف الناشفة بتمسك إيدي الصغيرة وبتحط فيها السلسلة الذهب والصندوق الخشب، وهمس في ودني بنبرة حادة وزي الفسفور: “احضنه في صدرك يا أحمد.. احضنه بجسمك كله، الصندوق ده لو طلع لفوق، رقبتي ورقبة عمك يونس هتعلق في المشنقة، والبلد دي مش هتقوم لها قومة. ده حق الغلابة وورث أمنا اللي ضاع”.
فوقينا بالظبط، سمعنا صوت ضربة قوية بكعب البندقية على الدفتين الخشب. الخشب أطلق أنين مكتوم والمسامير المصدية بدأت تفوت من مكانها. التراب نزل في عيني وبقيت أكتم كحتني بالعافية ودموعي نازلة تحرق وشي.
الراجل اللي اسمه مبروك رد من برة وصوته كان قريب جداً: “يا بوي! دول شكلهم نزلوا هنا الصدق.. اضرب عيار في خشب الأرضية يخلص عليهم لو كانوا جوة!”.
عمي يونس في اللحظة دي اتسحب في الضلمة زي الديب، وعرف يتحرك في السرداب الضيق كأنه حافظ كل شبر فيه من سنين ربطته. حسيت بحركته وهو بيقرب من نهاية السرداب الناحية التانية. وفجأة، وبدون أي مقدمات، سمعنا صوت “تكة” حديد غريبة، تليها خبطة رنانة هزت السرداب كله، بس المرة دي مكنتش فوق راسنا.. دي كانت ورا الراجلين اللي واقفين في الزريبة!
عمي يونس كان مطلع ماسورة حديد قديمة من خرم تاني للسرد بيفتح ورا المعلف، وضرب بيها حلة حديد كبيرة مخصصة لأكل البهائم عشان يعمل شوشرة.








