ديني

ماذا تعني ” كهيعص ” في القرآن الكريم

يعد القرآن الكريم معجزة الله الخالدة، ومن جوانب إعجازه التي أثارت دهشة العرب، وبقيت محل تدبر العلماء عبر العصور، هي تلك “الحروف المقطعة” التي تستهل بها بعض سور القرآن الكريم. ومن أبرز هذه الفواتح قوله تعالى في مستهل سورة مريم: {كهيعص}. فما هي طبيعة هذه الحروف؟ وما الذي أراده الله من إيرادها في كتابه العزيز؟

 

سورة مريم: مكانتها وخصائصها
تعد سورة مريم إحدى السور المكية العظيمة التي نزلت في مكة المكرمة، وتقع في الجزء السادس عشر من المصحف الشريف. وهي السورة التاسعة عشر في ترتيب المصاحف، وتكتسب أهمية خاصة كونها تناولت قصة السيدة مريم وابنها عيسى عليه السلام، إضافة إلى قصص عدد من الأنبياء كزكريا ويحيى وإبراهيم وموسى عليهم السلام.

وقد عُرفت هذه السورة في كتب التفسير باسم “سورة مريم”، كما أشار إليها عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- باسم “سورة كهيعص”، وهو اسم مشتق من افتتاحيتها التي حيّرت ألباب البلغاء وأهل اللغة.

ما معنى “كهيعص”؟.. رحلة في آراء المفسرين
اختلف علماء التفسير والتأويل في المراد بـ {كهيعص}، وتعددت الأقوال في ذلك، ويمكن إجمال أبرز الاتجاهات في الآتي:

أسماء من أسماء الله الحسنى: ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الحروف هي اسم من أسماء الله تعالى، حيث فسروها بأنها حروف مأخوذة من صفات الله، فـ “الكاف” من “كافٍ” أو “كريم”، و”الهاء” من “هادٍ”، و”الياء” من “حكيم”، و”العين” من “عالم” أو “عزيز”، و”الصاد” من “صادق”.

اسم من أسماء القرآن الكريم: رأى فريق آخر أن هذه الحروف تشير إلى اسم من أسماء كتاب الله المجيد.

اسم للسورة: يرى بعض أهل العلم أنها بمثابة العنوان أو الاسم لهذه السورة تحديداً.

قَسَمٌ إلهي: ذهب آخرون إلى أنها قسم أقسم الله به في مطلع السورة، ليبدأ به سرد القصص والأخبار التي تضمنتها السورة.

الحروف المقطعة: لغة الإعجاز والتحدي
تمثل الحروف المقطعة ظاهرة فريدة في القرآن الكريم؛ فقد افتتحت تسع وعشرون سورة بهذه الحروف، وهي تتنوع في عددها؛ فمنها ما يبدأ بحرف واحد مثل {ص}، {ق}، {ن}، ومنها ما يبدأ بحرفين أو ثلاثة أو أربعة أو حتى خمسة أحرف كحال سورة مريم وسورة الشورى {حم عسق}.

اتجاهات العلماء في فهم هذه الحروف
توزعت آراء العلماء حول هذه الحروف إلى اتجاهين رئيسيين:

الاتجاه الأول (التفويض): يرى أصحابه أن هذه الحروف من “المتشابه” الذي استأثر الله بعلمه، وهو قول نُسب إلى الخلفاء الراشدين وعبد الله بن مسعود. ويدعو هذا الاتجاه إلى الإيمان بها كما هي دون خوض في تأويل أو تحميل للمعاني، تسليماً لقدرة الله وحكمته.

الاتجاه الثاني (الاستنباط والإعجاز): يرى أصحابه أن لله حكمة في خطابه لعباده، ومن ذلك بيان وجه الإعجاز البلاغي. فالعرب أهل الفصاحة والبيان، كانت لغتهم تتكون من هذه الحروف الهجائية التي تستهل بها السور، فكأن الله -عز وجل- يقول لهم: “هذا القرآن من لغتكم، وبذات الحروف التي تتكلمون بها، ومع ذلك لا تستطيعون الإتيان بمثله”.

التوفيق بين الأقوال: رسالة التحدي الأبدي
وبالنظر إلى عمق الطرحين، نجد أن الحروف المقطعة تؤدي وظيفة إعجازية مذهلة؛ فهي تلفت انتباه السامع من اللحظة الأولى، وتُشعر العرب بأن هذا الكلام رغم بساطة أدواته (الحروف الهجائية)، إلا أنه يتجاوز طاقة البشر في نظمه ومعانيه. إنها بمثابة “تحدٍ مفتوح” يثبت عجز المخلوقات عن مجاراة كلام الخالق.

وقفات تربوية مع سورة مريم
إن سورة مريم ليست مجرد سرد قصصي، بل هي دستور إيماني يثبت توحيد الله، ويحيي الأمل في النفوس؛ فقصة زكريا عليه السلام وهو يرزق بـ “يحيى” على كبر، وقصة مريم وهي تلد عيسى بكلمة من الله، هي رسائل ربانية تؤكد أن الله على كل شيء قدير، وأنه سبحانه يغير الأسباب والمسببات.

ختاماً، إن التوقف عند آية {كهيعص} يفتح أمام المسلم أبواباً من التدبر في عظمة القرآن. سواء كانت هذه الحروف أسماءً لصفات الله، أو رموزاً للإعجاز، فإنها تظل جزءاً من “السر الإلهي” الذي يضفي على القرآن جلالاً وهيبة، ويدفعنا جميعاً لتدبر آياته وفهم رسائله بعمق وتواضع أمام حكمة الخالق عز وجل.

زر الذهاب إلى الأعلى