
ينتشر في أوساط الكثير من المجتمعات موروثات شعبية ومعتقدات توارثتها الأجيال، ومن أبرزها الاعتقاد بوجوب “حرق” ملابس المتوفي أو التخلص منها قبل مرور أربعين يوماً على وفاته. هذا الاعتقاد يثير تساؤلات عديدة حول مدى مشروعيته. ومن هنا، تأتي فتاوى دار الإفتاء المصرية والأزهر الشريف لتصحح هذه المفاهيم وتضع النقاط على الحروف وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية.
-
قصة النبي سليمان مع الأفعى سيةمنذ 3 أيام
-
عدة المطلقةمنذ 5 أيام
-
ماذا يعني ظهور شخص متوفى في المنام؟ آراء المفسرينمنذ أسبوع واحد
-
ماذا تعني ” كهيعص ” في القرآن الكريممنذ أسبوع واحد
حقيقة وجوب حرق ملابس المتوفي
أكد الشيخ محمود شلبي، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن فكرة وجوب حرق ملابس المتوفي قبل الأربعين لا أصل لها في الشرع، ولا تعتبر سنة، بل هي من الممارسات الخاطئة التي لا تستند إلى دليل من كتاب أو سنة.
إن ملابس المتوفي وأغراضه الشخصية تُعد جزءاً أصيلاً من تركته؛ أي أنها تنتقل بوفاته إلى الورثة الشرعيين، تماماً كالأموال والعقارات. وبناءً على ذلك، يصبح الورثة “ملاكاً” لهذه المتعلقات، ولهم كامل الحرية في التصرف فيها بما يخدم مصلحتهم أو مصلحة المتوفي، سواء بالاستخدام الشخصي، أو البيع، أو التصدق بها.
حكم التصدق بملابس المتوفي
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن ملابس الميت وأغراضه تدخل في جملة التركة، وبالتالي فهي حق للورثة. ولا يجب على الورثة شرعاً التصدق بها، إلا إذا كانت هذه رغبتهم ابتغاء الأجر والثواب. فإذا اتفق الورثة -بشرط أن يكونوا بالغين راشدين- على التصدق بها، فهذا عمل طيب ومستحب، ولكن لا ينبغي إجبار أي منهم على ذلك، ولا يجوز التصدق بنصيب القاصر من الورثة دون إذن شرعي أو مصلحة واضحة.
أما عن فكرة “حرق” الملابس أو إتلافها، فقد أجمع الفقهاء على أنها غير جائزة؛ لأنها تعتبر إهداراً للمال، والشريعة الإسلامية تنهى عن إضاعة المال، فالأولى والأفضل هو الانتفاع بهذه المقتنيات أو إعطاؤها للمحتاجين لتكون صدقة جارية، بدلاً من حرقها التي لا طائل منها سوى ضياع حق الورثة.
حكم الاحتفاظ بملابس المتوفي للذكرى
أوضح الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى، أن الاحتفاظ بملابس الميت بغرض التبرك لا يجوز شرعاً، وقد يكون محرماً إذا اقترن باعتقادات فاسدة. أما الاحتفاظ بها للذكرى فقط، فالأفضل التخلص منها بالصدقة أو التوزيع لضمان استمرار الانتفاع بها بدلاً من حبسها. كما شدد العلماء على أنه لا يحق لأحد من الورثة الاستحواذ على ملابس المتوفي أو أغراضه دون إذن بقية الورثة، لأنها أصبحت ملكية مشاعة للجميع بعد الوفاة، وتوزيعها يكون وفق أحكام الميراث.
ترتيب الحقوق في تركة المتوفي
يؤكد الشيخ أحمد أبو ضيف، من مركز الأزهر العالمي للفتوى، أن التركة ليست مجرد أموال تُقسم، بل هناك حقوق تسبق عملية التوزيع:
تجهيز الميت: وهو الحق الأهم، ويشمل التكفين، والتغسيل، والدفن، وذلك بالمعروف دون إسراف أو تقتير.
قضاء الديون: سداد ما كان في ذمة الميت من حقوق مالية للعباد.
تنفيذ الوصية: إن وُجدت، بشرط ألا تتجاوز ثلث التركة.
وبعد الانتهاء من هذه الحقوق، تأتي مرحلة توزيع المتبقي على الورثة.
إحياء ذكرى الأربعين والبدع المذمومة
بخصوص “ذكرى الأربعين”، أوضحت دار الإفتاء أن إحياء ذكرى الوفاة ليس واجباً، بل إن إقامتها في صورة “مأتم” ثانٍ، وتكليف أهل الميت ما لا يطيقون من نفقات باهظة، أو تجديد أحزانهم، هو أمر مكروه شرعاً. والشرع لم يندب تجديد الأحزان، بل يوجهنا إلى الصبر والرضا بقضاء الله. أما إذا اقتصر الأمر على إطعام الطعام وقراءة القرآن وهبة ثوابه للميت دون مباهاة أو تكلف، فلا حرج في ذلك.
حكم نقل المتوفي من قبره
وفي سياق متصل، أكدت لجان الفتوى أن الأصل هو دفن الميت في قبر مستقل وعدم نبش القبر إلا لضرورة شرعية قصوى، مثل دفنه في أرض مغصوبة، أو خوفاً من تعرض القبر للانهيار أو الغرق. وقد فصل الفقهاء في أحكام النقل؛ فبينما شدد الحنفية والشافعية على عدم الجواز إلا للضرورة، أجاز المالكية والحنابلة النقل بشروط معينة، أهمها الحفاظ على حرمة الميت وعدم إهانته، وأن يكون هناك مبرر معقول ومقبول شرعاً لنقل رفاته.
الخلاصة:
يجب على المجتمع أن يتحرر من الموروثات التي تخالف مقاصد الشريعة، خاصة تلك التي تؤدي إلى إهدار الأموال كحرق ملابس المتوفين، أو التكلف في إقامة سرادقات العزاء وتجديد الأحزان. الإسلام دين يسر ومنطق، يدعونا للحفاظ على حقوق الورثة، والانتفاع بالمال، والرضا والتسليم بقضاء الله، مع الحرص على الصدقة التي تنفع الميت في قبره، بعيداً عن البدع والشكليات التي لا أصل لها.








