
هنا نزل راسي في الأرض بكسوف، وكنت مش عارف أودي وشي منها فين. فركت إيدي ببعض وقولتلها بصوت واطي: “بصي يا رانيا.. أنا مش عارف أقولك إيه.. بس أبويا الحاج عبد العزيز لما جه يباركلك، شاف شنطة اللحمة اللي مامتك بعتاها.. وبصراحة كده يعني.. أخدها!”. رانيا برقت عينيها وقالت باستغراب: “أخدها؟ أخدها فين؟ دي 16 كيلو!”.
قولتلها وأنا بحاول أهديها: “أخدها ونزل بيها تحت لأمي.. وقال إنه مشتاق للحمة النضيفة دي هو وإخواتي، وحلف عليا يمين ليتبرأ مني لو منزلتش.. بس متخافيش، والله من أول الصبح هانزل للمعلم عطوه وأشتري لك بدالها أحسن حتة لحمة في المحل.. والشنطة اللي نزلوها، هما طبخوا منها وبعتولنا نابنا أهو في الحلة دي”.
-
اسعار الدهبمنذ 4 أيام
-
اكتشاف السر بعد 30 سنة في قميص ليلة الزفافمنذ أسبوع واحد
أنا كنت فاكر إن رانيا هتزعل على اللحمة، بس الرد فعل اللي شفته منها ركّب الرعب في ركبي! رانيا وشها اتخطف تماماً، وبقى أبيض زي الورقة، وعينيها برقت لدرجة خوفتني، وسابتني وطلعت تجري على المطبخ فتحت الحلة وبصت للحمة المستوية والشوربة، وصرخت بأعلى صوتها وهي بتلطم على وشها: “يالهوي!!! طبخوها وأكلوها؟! قوللي إنك بتهزر يا أحمد!! أكلوا منها بجد!!”.
أنا جريت عليها وأنا مش فاهم حاجة ولقيت قلبي بيدق بسرعة: “في إيه يا بنتي؟ صلي على النبي في سرك! أيوة طبخوها وتامر أخويا لسه قايلي إنهم أكلوا وشبعوا وبعتولنا الحلة دي.. في إيه مالك؟ اللحمة مالها؟!”. رانيا مسكتني من قميصي وهي بتبكي بهستيريا وجسمها كله بيتنفض: “امشي اجري.. اجري قولهم يرجعوا اللي في بطنهم! اجري قولهم مياكلوش تاني.. يالهوي على المصيبة.. اللحمة دي سـم.. اللحمة دي ميـتة بمرض!!”.
أنا اتسمرت في مكاني، وعقلي وقف عن التفكير: “مرض إيه وسـم إيه؟ دي مامتك اللي بعتاها معاكي!”. زعقت رانيا وهي بتعيط وبتشد في شعرها من الصدمة: “اسمعني يا أحمد! أنت ناسي إني شغالة فني معمل تحاليل بيطرية وفي وزارة الزراعة؟ أنا لما كنت عند أمي في فترة الولادة الشهر اللي فات، حصلت مصيبة في المزرعة بتاعة أمي وبتاعت الجيران.. المواشي والبهائم بدأت ورا بعض فجأة وبدون أي مقدمات ولا أعراض واضحة! حيوانات كاملة وصحتها بومب تقع في ثواني! الدكاترة والمفتشين احتاروا، وأمي كانت هيجيلها جلطة من خراب البيوت.. فانا قولت لازم أتصرف”.
مسحت دموعها وهي بتتنفس بصعوبة وكملت: “أنا وزملائي في المعمل أخدنا عينات، والـ 16 كيلو دول بالذات، أنا اللي قطعتهم من كذا ذبيحة من الحيوانات اللي ماتت فجأة دي.. أخدتهم عشان أدخلهم المعمل المركزي بتاع الوزارة الأسبوع الجاي لما أرجع من الإجازة عشان نعمل تحليل أنسجة دقيق جداً ونعرف إيه الفيروس أو المرض الغامض اللي ، ولحد دلوقتي بنشك في سلالة نادرة من (الجمرة ) أو تسمم دموي حاد بينتقل للبشر فوراً!”.
أنا ركبي خبطت في بعض، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا: “يا نهار أسود.. يا نهار أسود! وطالما هي مصيبة كده مجمداها في الفريزر ليه وعامله حسابك تاخديها المعمل؟!”. قالتلي وهي بتصرخ: “لأني مكنتش قادرة أشيلهم في معمل التحاليل وأنا لسه والدة وتعبانة، قولت أخليهم في الفريزر عندي هنا كام يوم لحد ما أنزل الشغل.. وخفت جداً لإنك تفتكرها لحمة عادية وتطبخ منها أو تدّي حد منها، فكتبت الورقة دي وحطيتها جوه الكيس وقولت (محدش يلمسها غير بعد أسبوع) لغاية ما أكون أنا نزلت الشغل وأخدتها بنفسي للمشرحة والمعمل وأفهمك القصة.. مكنتش أتخيل أبدًا إن أبوك هيدخل يتسحب وياخدها من وراك!! أبوك وإخواتك في خطر يا أحمد.. اللحمة دي مسـمومة ومرضها قـاتل!!”.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. مسمعتش باقي كلام رانيا، فتحت باب الشقة وطلعت أجري على السلم زي المجنون، بنزل درجات السلم تلاتة تلاتة وأنا بصرخ بأعلى صوتي: “يا بابا!! يا تامر!! يا أمي!!”. وصلت لباب شقة أبويا في الدور الأرضي، وبدأت أرزع بإيديا ورجليا على الباب بكل قوتي. مفيش ثواني وسمعت من جوه أصوات غريبة.. مش أصوات ناس صاحية ومرتاحة.. دي كانت أصوات أنين، وصريخ مكتوم، وصوت تفرير وترجيع رهيب!








