المشكلة مش هنا

يا للهول! من أين أبدأ؟ هذه الصورة ليست مجرد رسم كاريكاتيري، بل هي ملحمة يومية مصغرة تُعرض على مسرح المطبخ العربي الأصيل. المشهد يصرخ بـ”الحياة الواقعية” لدرجة أنني أشم رائحة البهارات والتوتر الخفيف في الجو!
دعونا نحلل الموقف: أمٌ تقف أمام الموقد، القدر يفور، نظراتها حادة وكأنها تقود عملية عسكرية لا تحضير وجبة.

والابن، محمد، يقف كالضحية البريئة، ينظر إلى الأعلى بتوجس، وهو يستمع إلى “أمر العمليات” الذي سيهز أركان الحي.
أما الحوار، فهو جوهرة الكوميديا السوداء الاجتماعية. الأم تقول: “محمد روح عد الجيران كلهم امي تريد كركم”. يا إلهي، ليست المشكلة في إرسال طفل لإحضار مكون ناقص. المشــ,كلة في تحديد المكون تحديداً، وتحديد المهمة “عد الجيران كلهم”!

هذا الموقف يستحق مقالاً لا يقل عن 500 كلمة، بل قد يتجاوزها ليصبح “ملحمة الكركم الضائعة”.
## ملحمة الكركم الضائعة: حين يتحول المطبخ إلى ساحة معركة والابن إلى ساعي بريد إجباري
في اللحظة التي تصرخ فيها الأم “كركم!”، تتحول أجواء المنزل الهادئة إلى حالة طوارئ قصوى. إنها ليست مجرد بهار أصفر، بل هي الرمز المقدس لإنجاح أو فشل الطبخة. وفي الصورة التي بين أيدينا، نرى لحظة الذروة الدرامية: الأم، بطلة الطبخ التي لا تُقهر، تكتشف الكار,ثة – نقص الكركم.

الأم هنا ليست مجرد طاهية، بل هي “القائد الأعلى للمطبخ”. نظرتها الحادة لا تسمح بالاستفهام أو التراخي. إنها نظرة تقول: “سأحضر هذا الكركم لو اضطررت لبعثتك إلى قمة جبل إيفرست”. وبما أن قمة إيفرست بعيدة، فإن “عد الجيران كلهم” يصبح هو الخيار الأكثر منطقية والأكثر رعباً لمحمد المسكــ,,ـــــين.

محمد، ذلك الفتى الذي يُفترض به أن يلعب بكرته أو يشاهد الرسوم المتحركة، يجد نفسه فجأة “ساعي البريد الإجباري” في مهمة استخباراتية لا تخلو من المخاطر الاجتماعية. مهمته ليست مجرد طلب “بهار”، بل هي حمل رسالة صريحة للجيران مفادها: “عائلة محمد في حالة استنفار غذائي عاجل، ونحن في أمس الحاجة إلى ملعقة من البهار الأصفر”.
الأمر الأكثر إضحاكاً في الموقف هو “البروتوكول”. الأم لم تقل: “اذهب إلى بيت أم خالد واطلب منها كركم”. لا. لقد قالت: “**روح عد الجيران كلهم**”. هذا يعني أن محمد سيبدأ رحلة البحث المضنية، من الباب الأول إلى الأخير.

تخيلوا الحوار الذي سيدور في كل منزل:
* **المنزل الأول (بيت أبو أحمد):**
محمد (متلعثماً): “السلام عليكم… أمي تسلم عليكم… وتقول… تريد كركم.”
أم أحمد: “كركم؟ وهل نقصتم؟ تفضل يا ولدي، هذه ملعقة… وقول لأمك سلمي لي عليها، وكم تحتاج الطبخة من الملح؟” (وهنا تبدأ جولة أسئلة لا تنتهي).
* **المنزل الثاني (بيت أم علي، المعروفة بحبها للفضول):**
محمد: “أمي تريد كركم.”

أم علي: “ومتى ستطبخونه؟ وما هي الطبخة؟ وهل أرسلت أمك ابنتها أم أنت؟ ألم يكن عندكم كركم أصلاً؟ يا ولدي، تفضل هذا ليس كركم، بل بابريكا، هل ينفع؟”
* **المنزل الثالث (بيت أم سمير، المعروفة ببهاراتها النادرة):**
محمد: “أمي تريد كركم.”
أم سمير: “أي نوع من الكركم؟ الهندي أم البلدي؟ وهل تريدينه مطحوناً تواً أم الجاهز؟ خذ يا ولدي، وهذه علبة، وخذ معها بعض الزنجبيل الطازج… قل لأمك: لا بد من تنويع النكهات!”

كل “باب” يطرقه محمد هو فصل جديد في هذه الكوميديا الاجتماعية. محمد يتحول من مجرد طفل إلى ناقل أخبار، ومندوب مبيعات، ومحقق جنائي يبحث عن “الذهب الأصفر”.
ولكن، لماذا كل هذا العناء؟ لماذا لا تشتري الأم علبة كبيرة من البهارات؟ الإجابة تكمن في جوهر **”ثقافة المطبخ والبهارات”** العربية. إنه فنّ لا يعترف بالتخطيط المسبق في بعض الأحيان. إنه يولد من رحم اللحظة، ومن الإبداع الذي يتطلب مكوناً “ناقصاً” ليتم طلبه من الجيران كجزء من طقس اجتماعي غير مكتوب.

أما **”المشكلة مو هنا المشكلة بأول تعليق”**، التي وضعتها الأم في البوـ,,ــــست، فهي تضيف بعداً آخر للكوميديا. إنها تدرك أن المشهد مضحك، وأنها أرسلت ابنها في مهمة شبه مستحيلة، لكنها تُسقط اللوم على “أول تعليق” قد يأتي من صديقاتها أو قريباتها على وسائل التواصل الاجتماعي، والذي سيحمل غالباً تعليقاً ساخراً مثل: “وهل انتهت كل محلات البقالة في العالم لترسلي المسكــ,,ـــــين محمد إلى هذه المهمة؟” أو ربما “أين الأب في هذه المعادلة؟”.

في النهاية، هذه الصورة ليست عن الكركم، بل هي عن الروابط الخفية في الحي، عن العلاقة العجيبة بين الأم وولدها، وعن حقيقة أن المطبخ العربي ليس مجرد مكان لإعداد الطعام، بل هو “محور الكون” الذي يدور حوله الجيران، والأحداث، وحتى الكوميديا اليومية التي نتداولها على الإنترنت.
ومحمد؟ محمد سيعود حاملاً “كنز الكركم”، وقد أصبح أكثر خبرة في الحياة، وأكثر إدراكاً لأهمية التخطيط لـ”مخزون البهارات”، وسينظر إلى أي قدر جديد يُوضع على الموقد بعين الخبير الذي يخشى أن تُعاد إليه المهمة مرة أخرى، ولكن هذه المرة قد تكون لـ”ورق الغار”! فليرحم الله محمد وكركمه!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى